الشيخ محمد رشيد رضا
580
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عن ابن جريج ( الثاني ) أنه من قبل إبراهيم عليه السّلام صرح به إذ سكتوا عن الجواب مفحمين مبالغة في تبكيتهم ، وقد قال الآلوسي ان هذا روي عن علي كرم اللّه وجهه ، ولم أره في تفسير ابن جرير ولا ابن كثير ولا الدر المنثور ، ولعله نقله عن بعض تفاسير الشيعة ( الثالث ) انه من اللّه عز وجل فصل به القضاء بين إبراهيم ومن حاجه من قومه - رواه ابن جرير عن ابن إسحاق وابن زيد واختاره وقال إنه أولى القولين بالصواب ، وقد يرجحه في اللفظ عطف الآية التالية على هذه والذي نراه ان الامن في هذا الكلام يقابل الخوف فيه ، وهو الامن من عذاب الرب المعبود لمن لا يرضى ايمانه وعبادته ، فإنهم خوفوا إبراهيم ان تمسه آلهتهم وأربابهم بسوء لجحده إياهم وعداوته لهم ، فأجاب بأته انما يخاف اللّه وحده ولا يخافهم ، والظلم الذي يلبس به الايمان باللّه ويخالطه ، فينقص منه أو ينقضه ، هو الشرك في العقيدة أو العبادة ، كاتخاذ ولي من دون اللّه يدعى معه أو من دونه ، ولو لأجل التقريب اليه والشفاعة عنده ، ويحب كحبه ، ويعظم من جنس تعظيمه ، لاعتقاد ان له سلطانا من وراء الأسباب ينفع به ويضر بذاته ، أو بتأثيره في مشيئة اللّه وقدرته ، ولا يدخل فيه الظلم الذي ليس من شأنه أن لا يلابس الايمان ، كظلم المرء نفسه باتيان بعض المضار ، أو ترك بعض المنافع عن جهل أو اهمال ، أو ظلم غيره ببعض الاحكام أو الاعمال ، وهذا التفسير للظلم يبين به ما ورد تفسيره به في الحديث المرفوع الذي سنذكره . ( فان قيل ) ان الظلم في الآية نكرة في حيز النفي فهي للعموم والشمول ، ( قلنا ) ان عموم كل شيء يحسبه فقوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * عام في كل شيء ممكن ، ولا يدخل في عمومه ذات اللّه تعالى وصفاته الواجبة له فلا يقال إنه قادر على إعدامها ولا على ايجادها ولا انه غير قادر ، وقوله في ملكة سبأ ( وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) عام في كل ما يحتاج اليه الملوك ، لا كل شيء في الوجود ، فمن لم يقبل جعل مثل هذا من العام باطلاق ، فليجعله من العام الذي أريد به الخاص . وقد ذهل الزمخشري عن كون الايمان هنا هو الايمان المطلق الذي أثبته القرآن للمشركين لا الايمان الصحيح الكامل الذي جاء به الرسل ولهذا الذهول جزم بان المراد بالظلم هنا المعاصي دون الشرك لان الشرك لا يخالط الايمان الصحيح لأنه ضده ونقيضه نقول نعم ولكنه يخالط مطلق الايمان باللّه تعالى